الشنقيطي

194

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فيه ؛ هل هو عيسى ، أو جبريل ، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ . وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة . وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور ؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان ، وهو ظاهر الآية الكريمة ؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ الآية - أنه قول باللسان . واستدل من قال : إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيا ، فإذا قالت لإنسي بلسانها إني نذرت للرحمن صوما فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها . واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير رحمه اللّه ، قال في تفسير هذه الآية فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) . وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) قوله : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فقد رأيت كلام العلماء في الآية . وإن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق . وإن الثاني يدل عليه قوله : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقا . قال أبو حيان في البحر : وقوله « إنسيّا » لأنها كانت تكلم الملائكة . ومعنى كلامه أن قوله « إنسيا » له مفهوم مخالفة ، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه . والذي يظهر لي أنّه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائنا من كان . مسألة اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أنّ المراد بقوله فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام ، لأنها في هذه الآية سميت قولا على هذا الوجه من التفسير . وسمع في كلام العرب كثيرا إطلاق الكلام على الإشارة ، كقوله : إذا كلمتني بالعيون الفواتر * رددت عليها بالدموع البوادر وسنذكر هنا إن شاء اللّه تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة الكلام ، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام ، وأقوال العلماء في ذلك . اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام ، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك . فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام - قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين اللّه » ؟ فأشارت إلى السماء . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعتقها فإنها مؤمنة » فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات . وهو الذي يعصم به الدم والمال ، وتستحق به الجنة ، وينجي به من النار . والقصة المشهورة مروية عن جماعة من الصحابة ، منهم أبو